الطبراني
366
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وأما الكتب المنزّلة قبل القرآن فقد روي أنّ اللّه أنزل على شيث خمسين صحيفة وكان يعمل بها هو ومن معه ومن بعده إلى زمن إدريس ، ثم أنزل اللّه على إدريس عليه السّلام ثلاثين صحيفة فكان يعمل بها إلى زمن إبراهيم ، ثم أنزل على إبراهيم عشر صحائف ، فكان يعمل بها إلى زمن موسى ، ثم أنزل على موسى عليه السّلام عشر صحائف قبل التوراة ، فكان يعمل بها موسى ومن معه إلى غرق فرعون ، ثم أنزل اللّه التوراة ، فكان يعمل بها إلى زمن داود ، ثم أنزل اللّه تعالى الزّبور على داود ، فكان يعمل بها إلى زمن عيسى عليه السّلام ، ثم أنزل اللّه الإنجيل فكان يعمل بها إلى بعث محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم أنزل اللّه الفرقان ناسخا لما قبله من الكتب . قوله عزّ وجلّ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ ؛ أي أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم تصبكم صفة الذين محنوا من قبلكم ؛ أي ولم تبتلوا كما ابتلي الذين من قبلكم ، ( مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ ) أي الشدّة وهي القتل ، ( والضّرّاء ) والبلاء والفقر والمرض . وقيل : البأساء : نقيض النعماء ، والضرّاء : نقيض السرّاء . قوله تعالى : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؛ أي حرّكوا وخوّفوا ( حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) أي جاهدوا حتى قال كلّ رسول بعث إلى أمته : متى فتح اللّه ؟ يقول اللّه تعالى : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) ؛ يعني ألا إنّ نصر اللّه لك ولأمتك يا محمد قريب عاجل كما نصرت الرسل قبلك ، والمثل قد يذكر بمعنى الصفة كما قال اللّه تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ « 1 » أي صفة الجنة ، ذهب السديّ إلى أن هذه الآية نزلت بالمدينة يوم الخندق حين اشتدّت مخافة المؤمنين من العدوّ . ووجه إيصال هذه الآية بما قبلها : أنّ اللّه تعالى قال فيما تقدّم : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) ثم قال : ( فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) . وكان المسلمون اتّكلوا على مجرّد اهتدائهم ، فبيّن اللّه في هذه الآية أنه لا يجوز الاتّكال على مجرّد
--> ( 1 ) الرعد / 35 .